محمد متولي الشعراوي
825
تفسير الشعراوي
والحق يأمر المسلمين في قتالهم مع أهل الشرك أن يراعوا حرمة البيت الحرام ، فلا ينتهكوها بالقتال إلا إذا قاتلهم أهل الشرك . وهكذا نجد أن أول أمر بالقتال إنما جاء لصد العدوان ، وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يسقط من أيدي خصوم الإسلام ورقة قد يلعبون بها مع المسلمين ، فهم يعلمون أن المؤمنين بالإسلام سيحترمون الأشهر الحرم ويحترمون المكان الحرام ويحترمون الإحرام فلا يقاتلون ؛ وربما أغرى ذلك خصوم الإسلام ألا يقاتلوا المسلمين إلا في الأشهر الحرم ، ويظنون أن المسلمين قد يتهيبون أن يقاتلوهم ، فأراد الحق سبحانه وتعالى أن يشرع لهم ما يناسب مثل هذا الأمر فأذن لهم في القتال ، فإن قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم في الشهر الحرام ، وإن قاتلوكم في المكان الحرام فقاتلوهم في المكان الحرام ، وإن قاتلوكم وأنتم حرم فقاتلوهم ؛ لأن الحرمات قصاص . إذن أسقط الحق الورقة من أيدي الكافرين . إن الحق سبحانه وتعالى يعلل ذلك بأنه وإن كان القتال في الشهر الحرام وفي المكان الحرام وفي حال الإحرام صعبا وشديدا فالفتنة في دين اللّه أشد من القتل ، لأن الفتنة إنما جاءت لتفسد على الناس دينهم ، صحيح أنها لا تعوق الناس عن أن يتدينوا ، ولكنها تفتن الذين تدينوا ، وقد حاولوا إجبار المسلمين الأوائل بالتعذيب حتى يرتدوا عن الدين ، وكان ذلك أشد من القتل لأنها فتنة في الدين . إن اللّه هو الذي شرع الشهر الحرام فكيف يفتن المؤمنون عن دين اللّه ويحملون على الشرك به ثم تقولون بعد ذلك إننا في الشهر الحرام ؟ إن الشهر الحرام لم يكن حراما إلا لأن اللّه هو الذي حرمه ، فالفتنة في اللّه شرك وهو أشد من أن نقاتل في الشهر الحرام ، ولذلك فلاداعى أن يتحرج أحد من القتال في الشهر الحرام عندما يفتن في دينه . وحينئذ نعلم أن القتال إنما جاء دفاعا . وبعد ذلك هل يظل القتال دفاعا كما يريد خصوم الإسلام أن يجعلوه دفاعا عمّن آمن فقط ؟ أو كما يريد الذين يحاولون أن يدفعوا عن الإسلام أنه دين قتال